جريمة الافتراء في القانون العماني (تشويه السمعة وإهانة الكرامة)
عزيزي القارئ، ماذا تعرف عن جريمة الافتراء في القانون العماني ؟ لضمان جدية الشكاوى المقدمة إلى الجهات المختصة بشأن المخالفات والجنح والجنايات، ولحماية أجهزة التحقيق والمحاكم من استهلاك الوقت والجهد في معالجة بلاغات كاذبة أو افتراءات لا أساس لها، ولصون حقوق الأفراد من الإيقاع بهم أو الافتراء عليهم، وكذلك لمنع استغلال الشكاوى الجزائية لأغراض شخصية أو مادية، نص القانون على جريمة الافتراء في القانون العماني.
وينص قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018) على تجريم أفعال الافتراء بشكل مستقل، حيث خص المشرع المادة (223) بمعاقبة البلاغ الكاذب، والمادة (224) بالافتراء على الأفراد. ورغم ما قد يعتقده البعض ممن لا يمارسون العمل القانوني، فإن الجريمتين ليستا مترادفتين، بل لكل منهما عناصره القانونية الخاصة وأهدافه المختلفة.
ومن هنا، تهدف هذه الزاوية القانونية إلى توضيح الفرق بين جريمة الافتراء في القانون العماني وجريمة البلاغ الكاذب: ما هي معايير كل جريمة ؟ متى يشكل البلاغ كذبًا ويصبح بلاغاً كاذباً ؟ متى يرتقي الفعل إلى جريمة الافتراء في القانون العماني ؟ وما هو القصد الجنائي المطلوب في كل حالة ؟ وما العقوبات المقررة قانونًا لكل منهما ؟
جريمة البلاغ الكاذب في القانون العماني
في البداية، يجب توضيح أن جريمة البلاغ الكاذب تتقارب في بعض الجوانب مع جريمة الافتراء في القانون العماني، إلا أن هناك فروقًا جوهرية تتضح عند التعرف على كل جريمة بشكل منفصل.
تتمثل الجريمة المعروفة بالبلاغ الكاذب في إبلاغ السلطات المختصة بوقائع وهمية تؤدي إلى تحريك هذه الجهات ضمن نطاق اختصاصها، مثل الادعاء بوقوع جريمة، أو وجود خطر، أو حدوث كارثة أو حادثة لم تقع فعليًا.
كما تشمل جريمة البلاغ الكاذب نشر أخبار أو معلومات خاطئة عبر أي وسيلة إعلامية تفيد بارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون، أو الإدلاء للسلطات بأمور يعلم المبلغ كذبها، حتى لو كانت الجريمة المزعومة قد وقعت بالفعل.
تنص المادة (223) من قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018) على تجريم جريمة البلاغ الكاذب وتحديد عقوبتها، حيث يعاقب كل من يقوم بأي من الأفعال التالية بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة مالية تتراوح بين 100 و500 ريال عماني:
- نشر أي خبر يفيد بارتكاب جريمة لم تحدث فعليًا، مع العلم بأن الخبر غير صحيح.
- تقديم معلومات أو أمور يعلم المبلغ كذبها للسلطات المختصة في جريمة وقعت بالفعل.
- إبلاغ السلطات المختصة بأي وسيلة عن وقوع جريمة أو خطر أو حادثة أو كارثة وهمية لا وجود لها.
يتضح من نص المادة أن المشرع العماني لم يحصر وقوع جريمة البلاغ الكاذب في مجرد تقديم شكوى أو إبلاغ خاطئ للسلطات المختصة، بل إن نشر خبر عن وقوع جريمة أو حادثة وهمية يكفي لتكون الركن المادي للجريمة.
وفي هذا الجانب، تختلف جريمة البلاغ الكاذب عن جريمة الافتراء في القانون العماني، إذ تنص الفقرة (أ) على أن العقوبة تقع على من ينشر بأي وسيلة خبر ارتكاب جريمة لم تحدث، مع علمه بعدم وقوعها، بحيث يعد مجرد النشر مع العلم بعدم صحة الواقعة كافيًا لتشكيل جريمة البلاغ الكاذب وفق نص المادة (223) من القانون العماني.
كما أن الركن المادي لجريمة البلاغ الكاذب لا يقتصر على الجرائم وحدها، بل يشمل أيضًا الحالات التي تتسبب في استنفار السلطات، مثل الإبلاغ عن خطر أو حادثة أو كارثة أو ما شابهها، بما يؤدي إلى إشغال الجهات المختصة بالتحقق والتصرف، وهذا ما يميزها عن جريمة الافتراء في القانون العماني، التي تقتصر على الإبلاغ بارتكاب جريمة محددة فقط.
أما الفقرة (ج) من المادة، فتجرم من يقدم للسلطات معلومات أو أخبارًا كاذبة في جريمة واقعة، سواء أكانت تفاصيل خاطئة أو أدلة مختلقة، مع العلم بأنها غير صحيحة. ويعاقب المبلغ وفق العقوبة المحددة في المادة نفسها، بما يكفل حماية نزاهة التحقيقات وصون حقوق كافة الأطراف.
جريمة الافتراء في القانون العماني
أما جريمة الافتراء في القانون العماني، فتعرف بأنها تقديم شكوى كاذبة أو اتهام ملفق ضد شخص محدد إلى السلطات المختصة، بزعم ارتكابه جريمة سواء كانت مخالفة، أو جنحة، أو جناية. كما تشمل الجريمة نشر اتهامات خاطئة بحق هذا الشخص عبر أي وسيلة إعلامية، أو اختلاق أدلة مزيفة تثبت ارتكابه لجريمة معينة، بقصد الإضرار به أو الإيقاع به زورًا.
تنص المادة (224) من قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018) على تجريم جريمة الافتراء في القانون العماني، حيث يعاقب كل من ينسب إلى شخص معين ارتكاب جريمة يعلم بعدم حدوثها، أو يختلق أدلة تثبت ارتكابه لها، بالسجن لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة مالية تتراوح بين 300 و1000 ريال عماني.
وفي حال أدى الافتراء إلى صدور حكم بعقوبة على الشخص المفترى عليه، تحدد عقوبة المفتري بما لا يقل عن العقوبة التي أصدرت بحق الضحية، إلا إذا أسفر الافتراء عن حكم بالإعدام ونفذ، فتكون عقوبة المفتري الإعدام أو السجن المؤبد. أما إذا تراجع المفتري عن افترائه قبل بدء أي إجراءات قانونية، فيعتبر ذلك عذرًا مخففًا. ويلزم القانون في جميع الأحوال المفتري بتحمل جميع المصاريف التي نتجت عن افترائه، بما يضمن حماية المتضرر وتعويضه عن الأضرار.
توضح هذه المادة العقوبات المقررة لكل من يقوم بالافتراء على شخص معين، سواء عن طريق نسب جريمة لم يرتكبها مع علمه ببراءة الضحية، أو باختلاق أدلة لتلفيق الجريمة عليه. ويبرز من خلال ذلك الفرق بين جريمة البلاغ الكاذب وجريمة الافتراء في القانون العماني، إذ يتحقق الركن المادي لجريمة البلاغ الكاذب بمجرد الإبلاغ للسلطات أو النشر أو الإدلاء بمعلومات كاذبة في جريمة وقعت، دون اشتراط أن يكون القول الكاذب موجهًا لشخص محدد.
أما في حالة جريمة الافتراء في القانون العماني، فيتطلب الركن المادي أن ينسب القول الكاذب إلى شخص معلوم، فلا تتكون الجريمة إلا إذا كان هناك طرف ثالث محدد هو المستهدف بالافتراء. وهذا الاختلاف الأساسي ينعكس بطبيعة الحال على العقوبات المقررة لكل جريمة؛ فالمادة (223) حددت عقوبة البلاغ الكاذب بوضوح، بينما تفصل المادة (224) العقوبة في جريمة الافتراء حسب النتائج المترتبة على الحكم في الجريمة المنسوبة إلى الشخص المفترى عليه.
على سبيل المثال، إذا أدى الافتراء إلى صدور حكم بالإعدام على المفترى عليه ونفذ، تكون عقوبة المفتري الإعدام أو السجن المؤبد، بحيث لا تقل عن ذلك، بما يحقق التناسب بين الجريمة ونتائجها ويضمن الردع العام والخاص. كما يلزم المفتري بتحمل كافة المصاريف والتكاليف والأضرار التي نتجت عن إيقاعه بالضحية بجريمة وهمية، سواء نتيجة متابعة الإجراءات القانونية ضده أو صدور أحكام أضرت به. ويظهر من هذا أيضاً الفرق مع جريمة البلاغ الكاذب، إذ لم ينص المشرع على تحمل المبلغ الكاذب لمثل هذه التكاليف والأضرار، تاركاً الفصل النهائي للقضاء في تقدير النتائج المترتبة على البلاغ.
أما بالنسبة للركن المعنوي، أو القصد الجنائي، لكلا الجريمتين، فقد أكدت المحكمة العليا على ضرورة توفر قصد جنائي خاص في جريمة الافتراء، مشيرةً إلى أنه يجب أن تتوافر لدى المفتري النية المباشرة لإلحاق الضرر بالمفترى عليه، سواء أكان ضررًا ماديًا أو معنويًا.
ويتضمن هذا القصد أن يعلم المفتري ببراءة الشخص الذي ينسب إليه الجرم، وأن تكون نيته إلحاق الضرر به. وبالمثل، يشترط في جريمة البلاغ الكاذب توفر قصد خاص لدى من يقدم البلاغ أو ينشر الخبر أو يدلي بالمعلومات، بحيث يكون مدركًا لكذب ما يقدمه قبل الإبلاغ.
وعندما يتوفر الركنان المادي والمعنوي معًا، تسند الجريمة إلى مرتكبها ويدان بها، أما إذا لم يثبت تحقق أحد الركنين أو كليهما، فيحكم ببراءة المتهم من التهمة. وتبقى مسألة تقييم تحقق أركان الجريمة من صلاحية القاضي الذي ينظر في كل قضية على حدى.
تذكير: إذا ما أردت طلب استشارة قانونية، اتصل بنا.



