التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني

التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني

يعد التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني من الموضوعات التي تحظى باهتمام متزايد، نظرًا لارتباطها المباشر بحق الإنسان في السلامة الجسدية والصحية، وهو من أهم الحقوق التي يحرص المشرع على حمايتها.

وقد تزايدت أهمية موضوع التعويض عن الأخطاء الطبية مع التوسع الملحوظ في القطاع الصحي بسلطنة عمان، سواء في المؤسسات الحكومية أو الخاصة، وما رافق ذلك من زيادة في عدد الإجراءات والتدخلات الطبية التي قد يقع خلالها خطأ يلحق ضررًا بالمريض.

وقد نظم المشرع العماني مسؤولية الأطباء ومزاولي المهن الطبية المساعدة عن أخطائهم من خلال قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 75/2019، إلى جانب القواعد العامة للمسؤولية المدنية الواردة في القانون المدني العماني، وكلاهما يشكل الأساس الذي يقوم عليه التعويض عن الأخطاء الطبية في السلطنة.

وفي السطور التالية، سيتم توضيح مفهوم الخطأ الطبي، والأساس القانوني للتعويض عن الأخطاء الطبية، وأركان المسؤولية الطبية، ودور اللجنة الطبية العليا، وأنواع التعويض المستحق، إضافة إلى خطوات المطالبة به قضائيًا.

ما هو الخطأ الطبي الموجب للتعويض في القانون العماني ؟

يقصد بالخطأ الطبي كل انحراف من الطبيب أو مزاول المهنة الطبية المساعدة عن الأصول والمعايير العلمية والمهنية المتعارف عليها في مجال الطب، بحيث يترتب على هذا الانحراف ضرر يلحق بالمريض ويستوجب التعويض عن الأخطاء الطبية.

ويشمل الخطأ الطبي صورًا متعددة، منها الخطأ في التشخيص أو التأخر فيه، والخطأ في اختيار طريقة العلاج أو الجرعة الدوائية، والخطأ أثناء إجراء العمليات الجراحية، وكذلك الإهمال في متابعة حالة المريض بعد العلاج أو الجراحة.

ولا يعد كل ضرر يلحق بالمريض خطأ طبيًا يستوجب التعويض بالضرورة، إذ قد تنجم بعض المضاعفات عن عوامل خارجة عن إرادة الطبيب أو طبيعة المرض نفسه، وهو ما يستلزم التفرقة الدقيقة بين المضاعفات الطبيعية المتوقعة للعلاج وبين الخطأ الفعلي الناتج عن إهمال أو تقصير مهني يستحق عنه المريض التعويض.

الأساس القانوني للتعويض عن الأخطاء الطبية في سلطنة عمان

نصت المادة 42 من قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة صراحة على أن “يسأل مزاول مهنة الطب، والمهن الطبية المساعدة عن الأخطاء الطبية التي تقع منه، وتسبب ضررا للمريض”.

ويتضح من هذا النص أن التعويض عن الأخطاء الطبية يقوم على ركنين أساسيين، هما وقوع خطأ من مزاول المهنة، وترتب ضرر فعلي على المريض نتيجة هذا الخطأ.

وإلى جانب هذا الأساس الخاص، تخضع دعوى التعويض عن الأخطاء الطبية للقواعد العامة للمسؤولية عن الفعل الضار المقررة في القانون المدني العماني، والتي تقوم على مبدأ أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله بالتعويض، سواء وقع الضرر بطريق المباشرة أو بطريق التسبب، مع اشتراط توافر التعدي في حالة التسبب.

أركان استحقاق التعويض عن الأخطاء الطبية

لكي يستحق المريض التعويض عن الأخطاء الطبية، لا بد من توافر ثلاثة أركان أساسية. الركن الأول هو الخطأ، ويتمثل في انحراف الطبيب عن السلوك المهني المعتاد الذي يلتزم به أمثاله من أصحاب المهنة في ظروف مماثلة.

الركن الثاني هو الضرر، ويشترط أن يكون ضررًا فعليًا ومحققًا، سواء كان ضررًا ماديًا يتمثل في تكاليف علاج إضافية أو فقدان القدرة على الكسب، أو ضررًا معنويًا يتمثل في الآلام النفسية والجسدية التي يعانيها المريض.

أما الركن الثالث فهو علاقة السببية بين الخطأ والضرر، بحيث يجب إثبات أن الضرر الذي أصاب المريض قد نتج بشكل مباشر عن الخطأ الطبي، وليس عن عوامل أخرى مستقلة عنه، كطبيعة المرض ذاته أو عدم التزام المريض بالتعليمات الطبية. ويعد إثبات هذا الركن من أكثر الجوانب تعقيدًا في دعاوى التعويض عن الأخطاء الطبية، نظرًا لحاجته إلى خبرة فنية متخصصة.

دور اللجنة الطبية العليا في دعاوى التعويض عن الأخطاء الطبية

من أبرز ما استحدثه قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة، إنشاء لجنة طبية عليا تشكل بقرار من وزير الصحة بعد موافقة مجلس الوزراء، وتضم في عضويتها ممثلين عن المؤسسات الصحية الحكومية، المدنية والعسكرية، والخاصة، على ألا تقل الوظيفة الوزارية لأي من أعضائها عن مستوى استشاري.

وتختص هذه اللجنة بتقرير ثبوت الخطأ الطبي من عدمه في الحالات التي تعرض عليها من الادعاء العام، أو المحكمة المختصة، أو وزير الصحة، بما يجعلها خطوة جوهرية في مسار أي دعوى تعويض عن الأخطاء الطبية.

ويعد تقرير اللجنة الطبية العليا من أهم الأدلة الفنية التي تستند إليها المحكمة عند نظر دعوى التعويض عن الأخطاء الطبية، نظرًا لما تتمتع به من خبرة متخصصة في تقييم مدى مطابقة التصرف الطبي للأصول العلمية المتعارف عليها.

التأمين ضد المسؤولية الطبية وأثره على التعويض عن الأخطاء الطبية

ألزم القانون العماني المؤسسة الصحية التي تستقبل مزاول مهنة الطب أو المهن الطبية المساعدة الزائر بالتأمين ضد المسؤولية الطبية التي قد يسأل عنها أثناء مزاولته للمهنة داخل المؤسسة

ويهدف هذا الإلزام إلى ضمان وجود غطاء مالي يمكن المريض المتضرر من الحصول على التعويض عن الأخطاء الطبية دون التأثير بشكل مباشر ومفرط على الوضع المالي للطبيب نفسه، بما يحقق التوازن بين حماية المريض واستقرار الممارسة المهنية للأطباء.

أنواع التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني

يشمل التعويض عن الأخطاء الطبية نوعين أساسيين من الأضرار. النوع الأول هو التعويض عن الضرر المادي، ويشمل ما تكبده المريض من نفقات علاجية إضافية لجبر الضرر الناتج عن الخطأ، وما فاته من كسب نتيجة العجز عن العمل، سواء كان عجزًا مؤقتًا أو دائمًا، كليًا أو جزئيًا.

أما النوع الثاني فهو التعويض عن الضرر المعنوي، ويشمل ما يلحق بالمريض من آلام نفسية وجسدية نتيجة الخطأ الطبي، وما قد يصيبه من تشوه أو تغيير في نمط حياته الاجتماعية أو النفسية. وفي حالة الوفاة نتيجة خطأ طبي، يستحق ورثة المتوفى التعويض عن الأخطاء الطبية عن الأضرار المادية والمعنوية التي أصابتهم شخصيًا جراء فقدان عائلهم.

خطوات المطالبة بالتعويض عن الأخطاء الطبية

تبدأ إجراءات المطالبة بالتعويض عن الأخطاء الطبية في سلطنة عمان بتقديم شكوى إلى وزارة الصحة أو الجهات القضائية المختصة، مرفقة بالتقارير الطبية والمستندات التي تدعم الادعاء بوقوع الخطأ. وفي حال إحالة الأمر إلى اللجنة الطبية العليا، تقوم اللجنة بدراسة الحالة وإصدار تقرير فني يوضح مدى ثبوت الخطأ الطبي من عدمه.

وبناء على نتيجة هذا التقرير، يمكن للمريض المتضرر أو ورثته في حال الوفاة رفع دعوى قضائية أمام المحكمة المختصة للمطالبة بالتعويض عن الأخطاء الطبية عن الأضرار المادية والمعنوية، مع إرفاق تقرير اللجنة الطبية العليا وأي أدلة أو مستندات أخرى تدعم الدعوى.

وقد تترتب على ثبوت الخطأ الطبي، بجانب المسؤولية المدنية، مسؤولية تأديبية أمام الجهات المهنية المختصة، أو مسؤولية جنائية إذا بلغ الخطأ حد الجسامة التي يعاقب عليها القانون.

الفرق بين الخطأ الطبي الموجب للتعويض والمضاعفات الطبيعية للعلاج

من المسائل المهمة التي يجب توضيحها عند الحديث عن التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني، التمييز بين الخطأ الطبي الفعلي وبين المضاعفات الطبيعية التي قد تنشأ عن أي إجراء طبي حتى لو تم تنفيذه وفق الأصول العلمية الصحيحة.

فبعض العمليات الجراحية أو العلاجات تنطوي بطبيعتها على نسبة مخاطر معروفة ومقبولة طبيًا، ولا تستوجب التعويض عن الأخطاء الطبية طالما التزم الطبيب بالمعايير المهنية وأبلغ المريض بهذه المخاطر مسبقًا.

وعليه، فإن مجرد فشل العلاج أو حدوث نتيجة غير مرضية للمريض لا يكفي وحده لاستحقاق التعويض عن الأخطاء الطبية، بل يستلزم الأمر إثبات أن الطبيب قد انحرف فعليًا عن الأصول العلمية المتعارف عليها في مجال تخصصه.

الخلاصة

يقوم نظام التعويض عن الأخطاء الطبية في القانون العماني على أساس قانوني مزدوج يجمع بين المسؤولية الخاصة المنصوص عليها في قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 75/2019، والقواعد العامة للمسؤولية عن الفعل الضار في القانون المدني.

ويلعب تقرير اللجنة الطبية العليا دورًا محوريًا في إثبات الخطأ الطبي من عدمه، باعتباره الأساس الفني الذي تستند إليه المحكمة عند الفصل في دعاوى التعويض عن الأخطاء الطبية. ونظرًا لما تتطلبه هذه الدعاوى من خبرة قانونية وفنية دقيقة لإثبات أركان المسؤولية، ينصح دائمًا بالتواصل مع مكتب محاماة متخصص لمتابعة إجراءات التعويض عن الأخطاء الطبية وضمان الحصول على الحق كاملًا.

تذكير: إذا ما أردت طلب استشارة قانونية، اتصل بنا.

شارك المحتوى عبر منصات التواصل الإجتماعي