الدفع بعدم الاختصاص في قانون الإجراءات المدنية العماني
يعد الاختصاص القضائي من المسائل الأساسية التي تسبق بحث موضوع الدعوى، لأن الفصل في النزاع لا يكون صحيحا إلا أمام الجهة القضائية التي منحها القانون سلطة نظره. ولذلك فإن تحديد المحكمة المختصة لا يمثل مجرد مسألة إجرائية شكلية، وإنما يرتبط بصحة سير الخصومة وضمان وصول النزاع إلى الجهة التي حددها القانون للفصل فيه.
وتظهر أهمية الدفع بعدم الاختصاص عندما يرى أحد أطراف الدعوى أن المحكمة المرفوعة أمامها القضية لا تملك قانونا سلطة نظرها، سواء بسبب عدم ولايتها على نوع النزاع، أو بسبب نوع الدعوى، أو قيمتها، أو بسبب الاختصاص المحلي في الحالات التي يسمح فيها القانون بإبداء هذا الدفع.
وقد نظم المشرع العماني هذه المسائل في قانون الإجراءات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٢٩ / ٢٠٠٢، المعدل حتى المرسوم السلطاني رقم ٥٥ / ٢٠١٠، مع وجود تشريعات لاحقة أثرت في توزيع الاختصاص القضائي، ومن أهمها قانون محكمة الاستثمار والتجارة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٣٥ / ٢٠٢٥، والذي بدأ العمل به في الأول من أكتوبر ٢٠٢٥.
ومن هنا فإن الدفع بعدم الاختصاص يحتاج إلى تحديد نوع الاختصاص محل النزاع أولا، ثم معرفة القاعدة القانونية التي تحكمه، والوقت الصحيح لإبدائه، والآثار التي تترتب على قبوله من المحكمة.
ما هو الدفع بعدم الاختصاص في القانون العماني ؟
يقصد بـ الدفع بعدم الاختصاص تمسك أحد الخصوم أمام المحكمة بأن هذه المحكمة لا تملك قانونا سلطة الفصل في الدعوى المعروضة عليها، وأن الاختصاص ينعقد لمحكمة أخرى أو لجهة قضائية أخرى وفقا للقواعد التي يحددها القانون.
ولا يوجد نوع واحد من الدفع بعدم الاختصاص، وإنما تختلف آثاره وطريقة إبدائه بحسب نوع الاختصاص الذي يدور حوله النزاع.
وقد ميز قانون الإجراءات المدنية والتجارية بين الاختصاص الدولي، والاختصاص الولائي، والاختصاص النوعي، والاختصاص القيمي، والاختصاص المحلي. كما رتب القانون أحكاما مختلفة بحسب ما إذا كان الاختصاص متعلقا بالنظام العام أو كان من الاختصاص الذي يجوز للخصم التنازل عن الدفع به.
ومن المهم كذلك عدم الخلط بين الدفع بعدم الاختصاص وبين الدفع بعدم قبول الدعوى. فعدم الاختصاص يتعلق بسلطة المحكمة في نظر النزاع، بينما يرتبط عدم القبول بمدى توافر شروط قبول الدعوى أو الحق في استعمالها وفقا للحالة المعروضة.
ما هي أنواع الدفع بعدم الاختصاص ؟
يمكن تقسيم الدفع بعدم الاختصاص وفقا لطبيعة الاختصاص الذي يتمسك به الخصم إلى عدة صور رئيسية.
أولًا، الدفع بعدم الاختصاص الولائي: ويقصد به الدفع بأن جهة القضاء التي تنظر النزاع لا تملك الولاية أصلا للفصل فيه، كأن يكون النزاع داخلا في اختصاص جهة قضائية أخرى وفقا للقانون.
ثانيًا، الدفع بعدم الاختصاص النوعي: ويتعلق بنوع الدعوى والمحكمة المختصة بنظر هذا النوع من المنازعات.
ثالثًا، الدفع بعدم الاختصاص القيمي: ويتعلق بقيمة الدعوى ومدى انعقاد الاختصاص لمحكمة أو دائرة معينة بناء على قيمة المطالبة.
رابعًا، الدفع بعدم الاختصاص المحلي: ويتعلق بتوزيع الاختصاص بين المحاكم بحسب الموطن أو المكان الذي وقعت فيه الواقعة أو يوجد فيه المال أو المكان الذي حدد القانون اختصاص المحكمة على أساسه.
خامسًا، الدفع بعدم الاختصاص الدولي: ويثار عندما يكون النزاع متصلا بعنصر أجنبي ويكون السؤال المطروح هو ما إذا كانت المحاكم العمانية تملك أصلا ولاية نظر الدعوى أم ينعقد الاختصاص لمحاكم دولة أخرى.
وهذا التمييز مهم للغاية، لأن قانون الإجراءات المدنية والتجارية لا يعامل جميع صور الدفع بعدم الاختصاص بالطريقة نفسها.
ما هو الدفع بعدم الاختصاص الولائي ؟
يقوم الدفع بعدم الاختصاص لانتفاء الولاية عندما تكون الدعوى من اختصاص جهة قضائية أخرى أو عندما لا تكون المحاكم التي رفعت أمامها الدعوى صاحبة ولاية في نظرها.
وتظهر أهمية هذا النوع من الدفع في أن المشرع اعتبره من المسائل المرتبطة بالنظام العام. وتنص المادة ١١١ من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أن الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها، أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها، تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها، ويجوز إبداؤه في أية حالة تكون عليها الدعوى.
وبالتالي، لا يشترط في هذا النوع من الدفع بعدم الاختصاص أن يبادر الخصم إلى إبدائه في أول جلسة، بل يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، كما تستطيع المحكمة إثارته من تلقاء نفسها متى تبين لها عدم اختصاصها.
وهذه القاعدة تختلف عن الاختصاص المحلي، لأن الأخير لا يتعلق بالنظام العام في الأصل، ولذلك وضع القانون له ميعادا وإجراءات مختلفة.
متى يكون الدفع بعدم الاختصاص النوعي أو القيمي من النظام العام ؟
يكون الدفع بعدم الاختصاص بسبب نوع الدعوى أو قيمتها من الدفوع التي يجوز للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها وفقا للمادة ١١١.
ويعني ذلك أن الخصم يستطيع التمسك بهذا الدفع في أية حالة تكون عليها الدعوى، حتى لو لم يثره منذ بداية الخصومة. كما لا تتوقف سلطة المحكمة في بحثه على طلب من أحد الخصوم، بل تستطيع المحكمة اكتشاف عدم الاختصاص أثناء نظر الدعوى والقضاء به من تلقاء نفسها.
وهذه القاعدة تهدف إلى ضمان احترام التوزيع القانوني للاختصاص بين المحاكم، فلا يجوز للأطراف الاتفاق فيما بينهم على منح محكمة اختصاصا لم يمنحه لها القانون في الحالات المتعلقة بالنظام العام.
وتتضح هذه المسألة أيضا في القواعد المتعلقة بالاختصاص القيمي والنوعي، حيث حدد قانون الإجراءات المدنية والتجارية الاختصاص بين الدوائر بحسب طبيعة الدعوى وقيمتها.
كما طرأ تطور مهم على الاختصاص التجاري في سلطنة عمان مع إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة بموجب المرسوم السلطاني رقم ٣٥ / ٢٠٢٥، والتي تختص، دون غيرها، بمجموعة واسعة من المنازعات التجارية والاستثمارية المحددة في قانونها، مع استثناء الدعاوى والمنازعات الإدارية والعمالية والإيجارية.
ما هو الدفع بعدم الاختصاص المحلي ؟
يتعلق الدفع بعدم الاختصاص المحلي بالمحكمة التي يجب أن ترفع أمامها الدعوى داخل نطاق المحاكم التي تملك الولاية القضائية.
والأصل وفقا للمادة ٤٤ من قانون الإجراءات المدنية والتجارية أن الاختصاص المحلي يكون للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، ما لم يوجد نص خاص يقرر خلاف ذلك. وإذا لم يكن للمدعى عليه موطن في سلطنة عمان، يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها محل إقامته، وإذا تعدد المدعى عليهم جاز رفع الدعوى أمام المحكمة التي يقع في دائرتها موطن أحدهم.
لكن القانون وضع قواعد خاصة لبعض الدعاوى.
ففي الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة، ينعقد الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار أو أحد أجزائه إذا كان العقار واقعا في دوائر محاكم متعددة.
وفي الدعاوى التجارية توجد قواعد خاصة، إذ يمكن أن ينعقد الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه أو محل تجارته، أو للمحكمة التي تم الاتفاق ونفذ كله أو بعضه في دائرتها، أو للمحكمة التي يجب تنفيذ الاتفاق في دائرتها، وفقا للظروف التي حددها القانون.
ولهذا فإن تحديد المحكمة المختصة محليا يتطلب النظر إلى طبيعة الدعوى والوقائع المرتبطة بها، وليس فقط إلى مكان إقامة المدعى عليه.
متى يجب إبداء الدفع بعدم الاختصاص المحلي ؟
يختلف الدفع بعدم الاختصاص المحلي عن الدفع المتعلق بالولاية أو النوع أو القيمة من حيث موعد إبدائه.
فقد نصت المادة ١١٠ من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أن الدفع بعدم الاختصاص المحلي، والدفع بالإحالة إلى محكمة أخرى لقيام ذات النزاع أمامها، أو لوجود دعوى أخرى مرتبطة بها، وأي دفع إجرائي غير متعلق بالنظام العام، يجب إبداؤها معا قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى أو دفع بعدم القبول، وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها.
وبالتالي، إذا كان المدعى عليه يرى أن المحكمة المختصة محليا هي محكمة أخرى، فعليه أن يتمسك بهذا الدفع في الوقت القانوني، ولا ينتظر إلى مرحلة متقدمة من الدعوى ثم يحاول إثارته بعد أن يكون قد بدأ في مناقشة الموضوع.
كما يجب إبداء جميع الأوجه التي يقوم عليها الدفع المتعلق بالإجراءات معا، وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها وفقا للنص ذاته.
وهذه نقطة عملية بالغة الأهمية عند إعداد المذكرات القانونية، لأن الخطأ في توقيت الدفع بعدم الاختصاص المحلي قد يؤدي إلى سقوط الحق في التمسك به.
هل يجوز للمحكمة إثارة الدفع بعدم الاختصاص من تلقاء نفسها ؟
نعم، ولكن الأمر يختلف بحسب نوع الاختصاص.
إذا كان الدفع بعدم الاختصاص متعلقا بانتفاء الولاية أو بنوع الدعوى أو قيمتها، فإن المحكمة تقضي به من تلقاء نفسها، ويجوز إبداؤه في أي مرحلة من مراحل الدعوى. وهذا ما قررته المادة ١١١ صراحة.
أما الاختصاص المحلي، فالأصل أنه ليس من النظام العام، ولذلك لا تتعامل معه المحكمة بالطريقة نفسها، وإنما يتعين على الخصم التمسك به وفقا للميعاد والشروط المقررة في المادة ١١٠.
وهذا الفرق يترتب عليه أثر عملي مهم: لا يكفي أن يقول الخصم بصورة عامة إن المحكمة غير مختصة، بل يجب تحديد نوع الدفع بعدم الاختصاص وبيان القاعدة القانونية التي تجعل المحكمة غير مختصة، لأن الحكم القانوني يختلف من نوع إلى آخر.
ما أثر قبول الدفع بعدم الاختصاص ؟
إذا انتهت المحكمة إلى قبول الدفع بعدم الاختصاص، فلا يعني ذلك بالضرورة انتهاء الدعوى بصورة نهائية.
فقد نصت المادة ١١٢ من قانون الإجراءات المدنية والتجارية على أنه إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها، فعليها أن تأمر بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة، ويجوز لها عندئذ الحكم على المدعي بغرامة لا تجاوز مائة ريال عماني. كما تحدد المحكمة للخصوم الجلسة التي يحضرون فيها أمام المحكمة المحال إليها النزاع، وتلتزم المحكمة المحال إليها الدعوى بالفصل فيها.
ومن ثم، فإن قبول الدفع بعدم الاختصاص لا يعني دائما أن المدعي يجب أن يبدأ دعوى جديدة من الصفر؛ إذ الأصل في الحكم بعدم الاختصاص أن يصاحبه أمر بالإحالة إلى المحكمة المختصة وفقا للقانون.
وهذا النظام يحقق قدرا من الاقتصاد في الإجراءات ويمنع إعادة الخصومة من بدايتها متى كانت الدعوى قائمة بصورة صحيحة من حيث باقي عناصرها.
هل تحيل المحكمة الدعوى بعد الحكم بعدم الاختصاص ؟
نعم، الأصل أن المحكمة التي تقضي بعدم اختصاصها تأمر بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة.
وقد نصت المادة ١١٢ على أن المحكمة المحال إليها الدعوى تلتزم بالفصل فيها، كما أوجبت على المحكمة التي قضت بعدم الاختصاص تحديد الجلسة التي يحضر فيها الخصوم أمام المحكمة المختصة، وإعلان الخصوم الغائبين وفقا للإجراءات المقررة.
ويختلف الأمر عن الحالات التي ينشأ فيها نزاع بشأن الاختصاص بين جهتين قضائيتين، فقد أنشأ المشرع قانونا خاصا لهيئة تنازع الاختصاص والأحكام بموجب المرسوم السلطاني رقم ٨٨ / ٢٠٠٨ لمعالجة حالات تنازع الاختصاص والأحكام بين الجهات القضائية في الحالات التي حددها القانون.
ماذا يحدث إذا اتفق الخصوم على محكمة أخرى ؟
أجاز قانون الإجراءات المدنية والتجارية في المادة ١١٣ أن يتفق الخصوم على التقاضي أمام محكمة غير المحكمة التي رفعت إليها الدعوى، وفي هذه الحالة يجوز للمحكمة أن تأمر بإحالة الدعوى إلى المحكمة التي اتفقوا عليها.
لكن هذا الحكم لا يعني أن اتفاق الخصوم يمكنه دائما تغيير الاختصاص.
فالمادة ٥٧ من القانون تقرر أنه إذا اتفق على اختصاص محكمة معينة يكون الاختصاص لهذه المحكمة أو للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، لكنها تمنع الاتفاق على مخالفة الاختصاص الذي يخوله القانون لمحكمة معينة في الحالات التي ينص فيها القانون على ذلك على خلاف القاعدة العامة.
لذلك يجب التفرقة بين الاختصاص المحلي الذي يمكن أن يسمح القانون بالاتفاق بشأنه في بعض الحالات، وبين الاختصاص المتعلق بالنظام العام الذي لا يملك الخصوم إنشاءه باتفاق خاص.
ما الفرق بين الدفع بعدم الاختصاص والدفع بعدم قبول الدعوى ؟
الفرق بين الدفع بعدم الاختصاص والدفع بعدم قبول الدعوى من المسائل التي يجب الانتباه إليها عند إعداد المذكرات والدفاع أمام المحاكم.
فالدفع بعدم الاختصاص يوجه إلى سلطة المحكمة نفسها في نظر النزاع. فإذا كان الدفع صحيحا، فإن المحكمة لا تستمر في نظر الموضوع، وإنما تتخذ الإجراء الذي يقرره القانون، ومن ذلك الإحالة إلى المحكمة المختصة.
أما الدفع بعدم قبول الدعوى، فيتعلق بوجود مانع قانوني يحول دون قبول الدعوى أو استعمال الحق في رفعها بالصورة المعروضة.
وقد نصت المادة ١١٦ على أن الدفع بعدم قبول الدعوى يجوز إبداؤه في أية حالة تكون عليها الدعوى، ونظمت كذلك حالة الدفع بانتفاء صفة المدعى عليه والإجراءات التي يمكن للمحكمة اتخاذها لتصحيح الخصومة.
ولهذا فإن صياغة الدفع يجب أن تحدد بوضوح ما إذا كان الاعتراض موجها إلى اختصاص المحكمة أم إلى قبول الدعوى، لأن لكل منهما أساسا قانونيا وأثرا إجرائيا مختلفا.
هل يؤثر قانون محكمة الاستثمار والتجارة على الدفع بعدم الاختصاص ؟
نعم، أصبح هذا الأمر مهما بصورة خاصة في المنازعات التجارية والاستثمارية بعد إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة.
فقد أنشئت محكمة الاستثمار والتجارة بموجب المرسوم السلطاني رقم ٣٥ / ٢٠٢٥، وبدأ العمل بقانونها في الأول من أكتوبر ٢٠٢٥. ونصت المادة ١١ من قانون المحكمة على اختصاصها، دون غيرها، بنظر جميع الدعاوى التي يكون أحد أطرافها تاجرا والمتعلقة بأعماله التجارية، وكذلك المنازعات الناشئة عن عقد الاستثمار، مع استثناء الدعاوى والمنازعات الإدارية والعمالية والإيجارية.
ويشمل اختصاص المحكمة، من بين أمور أخرى، المنازعات بين الشركاء والمساهمين والشركات التجارية، والمنازعات المتعلقة بالأصول التجارية، والاستثمار الأجنبي والنشاط الاقتصادي، والإفلاس، والتحكيم، والملكية الفكرية، وحماية المنافسة، والمعاملات التجارية الإلكترونية وغيرها من المنازعات المحددة في القانون.
كما نص المرسوم المنشئ للمحكمة على استمرار المحاكم في نظر الدعاوى والأوامر والطلبات التي كانت قد رفعت قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد، حتى لو أصبحت من اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة وفقا للقانون الجديد.
وبالتالي، عند بحث الدفع بعدم الاختصاص في دعوى تجارية حاليا، لا يكفي الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية والتجارية وحده، بل ينبغي التحقق أيضا من القوانين الخاصة التي تحدد اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة.
كيف يتم التعامل مع الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة الاستثمار والتجارة ؟
وضع قانون محكمة الاستثمار والتجارة تنظيما خاصا لبعض الإجراءات أمامها. فقد نصت المادة ٣٣ على أن المحكمة تفصل من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد أطراف الدعوى في المسائل المتعلقة بالاختصاص وشروط قبول الدعوى وكافة الدفوع الشكلية قبل الفصل في الموضوع، ويجوز لها اتخاذ التدابير اللازمة لتوضيح هذه المسائل.
كما نظم القانون إجراءات تقديم الردود والدفوع أمام المحكمة، وأوجب على المدعى عليه أن يقدم رده إلكترونيا خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إعلانه، وأن يشتمل الرد على جميع أوجه الدفاع والدفوع الشكلية والموضوعية والطلبات المقابلة والعارضة والتدخل والإدخال بحسب الأحوال.
وهذا يجعل ترتيب الدفوع وإعدادها في الوقت المناسب مسألة مهمة جدا في الدعاوى التي تدخل في اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة.
هل يجوز استئناف الحكم الصادر بعدم الاختصاص ؟
نعم، نظم قانون الإجراءات المدنية والتجارية الطعن في الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص والإحالة.
وتنص المادة ٢٠٣ على أن الأحكام الصادرة أثناء سير الدعوى والتي لا تنهي الخصومة لا يجوز الطعن فيها استقلالا في الأصل، لكنها استثنت من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص والإحالة إلى المحكمة المختصة، فأجازت الطعن فيها. كما نصت على أنه إذا طعن في الحكم، وجب على المحكمة المحال إليها الدعوى أن توقفها حتى يفصل في الطعن.
وهذا الحكم يبين أهمية الحكم الصادر في الدفع بعدم الاختصاص، لأنه ليس مجرد قرار إجرائي عابر، وإنما يمكن أن يترتب عليه نقل الدعوى إلى محكمة أخرى، ولذلك أتاح القانون طريق الطعن فيه وفقا للقواعد المقررة.
أما في المنازعات التي تختص بها محكمة الاستثمار والتجارة، فتطبق أحكام الطعن الخاصة بقانونها، مع الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية والتجارية فيما لم يرد بشأنه نص خاص.
ما الأخطاء الشائعة عند تقديم الدفع بعدم الاختصاص ؟
من أكثر الأخطاء التي قد تؤثر في فعالية الدفع بعدم الاختصاص عدم تحديد نوع الاختصاص محل الاعتراض.
فلا يكفي القول إن المحكمة غير مختصة دون بيان ما إذا كان سبب ذلك هو انتفاء الولاية، أو نوع الدعوى، أو قيمتها، أو الاختصاص المحلي، مع بيان النص القانوني الذي يستند إليه الدفع.
ومن الأخطاء أيضا إبداء الدفع المحلي بعد الدخول في موضوع الدعوى، رغم أن المادة ١١٠ تشترط إبداءه قبل أي طلب أو دفاع أو دفع بعدم القبول، وإلا سقط الحق في التمسك به.
ومن الأخطاء كذلك إغفال القوانين الخاصة التي قد تنقل الاختصاص إلى محكمة متخصصة، وهو أمر أصبح أكثر أهمية بعد إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة.
كما ينبغي عدم الخلط بين الدفع بعدم الاختصاص والدفع بعدم قبول الدعوى أو الدفع بالبطلان، لأن لكل دفع شروطه وآثاره والمرحلة التي يمكن إثارته فيها.
كيف تتم صياغة الدفع بعدم الاختصاص بصورة صحيحة ؟
ينبغي أن تكون صياغة الدفع بعدم الاختصاص واضحة ومحددة ومبنية على وقائع الدعوى والنصوص القانونية المنطبقة عليها.
ويفضل أن تتضمن المذكرة، بحسب الحالة، العناصر الآتية:
أولًا، تحديد المحكمة التي أقيمت أمامها الدعوى.
ثانيًا، تحديد نوع الاختصاص الذي يعترض عليه المدعى عليه.
ثالثًا، بيان الوقائع التي تجعل المحكمة غير مختصة.
رابعًا، ذكر النص القانوني الذي يحدد المحكمة المختصة متى كان تحديده مؤكدا.
خامسًا، بيان المحكمة التي ينعقد لها الاختصاص، إذا كانت الدعوى من الحالات التي تستوجب الإحالة.
سادسًا، إبداء الدفع في الميعاد القانوني إذا كان متعلقا بالاختصاص المحلي أو بأي دفع إجرائي غير متعلق بالنظام العام.
سابعًا، إبداء جميع أوجه الدفع الإجرائي معا متى كان القانون يشترط ذلك، حتى لا يسقط الحق فيما لم يبد منها.
ولا ينبغي أن تعتمد صياغة الدفع على عبارة عامة مثل “المحكمة غير مختصة” فقط، بل يجب شرح سبب عدم الاختصاص وربطه بالنصوص والوقائع.
ما أهمية الدفع بعدم الاختصاص في الدعوى المدنية والتجارية ؟
تظهر أهمية الدفع بعدم الاختصاص في أنه يتيح للخصم معالجة مسألة الاختصاص قبل الدخول في تفاصيل الموضوع عندما تكون المحكمة غير مختصة قانونا.
أولًا، يساعد على توجيه الدعوى إلى المحكمة التي منحها القانون سلطة الفصل فيها.
ثانيًا، يمنع استمرار إجراءات أمام محكمة لا تملك الاختصاص اللازم لنظر النزاع.
ثالثًا، يتيح للمحكمة مراقبة الاختصاص المتعلق بالنظام العام من تلقاء نفسها.
رابعًا، يحمي حق الخصم في التمسك بالاختصاص المحلي متى بادر بإثارته في الميعاد القانوني.
خامسًا، يساهم في تقليل الإجراءات غير اللازمة عندما تكون الدعوى مرفوعة أمام محكمة غير مختصة.
سادسًا، أصبح أكثر أهمية في المنازعات التجارية والاستثمارية بعد إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة وتحديد اختصاصها الخاص.
ومن ثم فإن دراسة الدفع بعدم الاختصاص ينبغي أن تتم في بداية أي دعوى مدنية أو تجارية، قبل اتخاذ موقف إجرائي قد يؤدي إلى سقوط بعض الدفوع التي يشترط القانون إبداءها في وقت معين.
الخلاصة
يعد الدفع بعدم الاختصاص من أهم الدفوع الإجرائية في قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني، لكنه ليس دفعا واحدا له حكم موحد، وإنما تختلف آثاره بحسب طبيعة الاختصاص محل النزاع.
فالدفع بعدم الاختصاص لانتفاء الولاية أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها يعد من المسائل التي تتعلق بالنظام العام، ولذلك يجوز إبداؤه في أية حالة تكون عليها الدعوى، كما يتعين على المحكمة القضاء به من تلقاء نفسها متى ثبت لها عدم اختصاصها وفقا للمادة ١١١. أما الدفع بعدم الاختصاص المحلي فيجب إبداؤه وفقا للميعاد المحدد في المادة ١١٠، وإلا سقط الحق في التمسك به.
وعند قبول الدفع بعدم الاختصاص، يكون الأصل أن تأمر المحكمة بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة وفقا للمادة ١١٢، مع تنظيم القانون لمسألة الطعن في الحكم الصادر بعدم الاختصاص والإحالة.
كما يجب حاليًا مراعاة قانون محكمة الاستثمار والتجارة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٣٥ / ٢٠٢٥، خصوصا في المنازعات التجارية والاستثمارية التي أصبحت تدخل في اختصاص المحكمة المتخصصة اعتبارًا من الأول من أكتوبر ٢٠٢٥.
وقد نص قانون المحكمة على أن تفصل في مسائل الاختصاص والدفوع الشكلية قبل الفصل في الموضوع، مع تطبيق قانون الإجراءات المدنية والتجارية فيما لم يرد بشأنه نص خاص.
وبذلك فإن نجاح الدفع بعدم الاختصاص لا يعتمد فقط على وجود سبب قانوني، وإنما يعتمد أيضا على تحديد نوع الاختصاص، والتمسك به في الوقت المناسب، وصياغته بصورة دقيقة، والاستناد إلى النص القانوني الذي يحكم الواقعة، مع مراعاة التشريعات الخاصة التي قد تحدد اختصاص محكمة معينة.
تذكير: إذا ما أردت طلب استشارة قانونية، اتصل بنا.



